أخر تحديث : الثلاثاء 2 يونيو 2020 - 5:43 مساءً

كلام في الحجر الصحي: 38- الشعوب تتعلم الحكمة بالشفاء

كلام في الحجر الصحي يوميات يعدها الاستاذ محمد أكرم الغرباوي لاستقراء آراء فاعلين جمعيويين ، مثقفين ، رياضيين ، شراح مختلفة …ترصد تجربة الحجر .

الحلقة 38 تستضيف  الأستاذ الباحث محمد   الفاهم.

_____

قد فاجئتنا هذه القملة الشريرة التي تتوعدنا في الخارج. نحن الذين كنا غارقين في الاستهلاك والتبضع، غير عابئين بمحدودية الحياة وبتناهي وضعنا البشري. كنا نلهث في سباق محموم، وراء إيقاع حياة سريع لا نكاد نلتقط فيه أنفاسنا. ثم تأتي هذه الهباءة القاتلة لكي تغير كل شيء، فتضعنا في مواجهة مباشرة مع ما كنا نعتقد أننا تجاوزناه إلى الأبد: المرض، الجائحة، الخوف من الموت ومن الجوع، ونفاذ البضائع من الأسواق. نحن أبناء الحداثة وما بعد الحداثة، مجتمعات التكنولوجيا الفائقة نعود فجأة إلى العصور الوسطى، تحت إملاءات قسرية: إلزم بيتك، خفض من استهلاكك، لا تلمس أي شيء، تحلى بالحيطة والحذر، تخلى عن كافة المتع التي ألفتها. ولكن لعلها تكون وقفة من أجل مراجعة الذات. فرصة منحتها لنا الطبيعة والأقدار، كي نراجع أنفسنا ونعيد النظر فيما نحن عليه. هل هذه فعلا هي الحياة التي تستحق أن تعاش، حياة تقاس كما أشار إلى ذلك إريك فروم بالتملك وليس بالوجود. الحياة التي يعتقد الإنسان مع نفسه، أنه سيمتلك ذاته وشخصه و سيكون حاضرا في هذا العالم، كلما أحاط نفسه بالبضائع. إن “الشعوب تتعلم الحكمة بالشقاء” هكذا قال هيراقليطس ذات مرة ولعله على حق. هذا المحنة الكونية التي عاشتها البشرية خلال هذه الأربعينية، لعلها تكون مناسبة لتذكر الحكمة الضائعة. فما نحن في حاجة إليه هو استعادة منظومة القيم الإنسانية الأساسية: التأمل والعودة إلى الذات. نحث شخصنا داخليا وليس خارجيا كما كنا نفعل، من خلال العناية بالمظهر وليس بالجوهر. كبح جماح الاستهلاك الأعمى لخيرات الأرض. تأسيس علاقة انسجام مع الطبيعة، وليس النظر إليها كعدو ينبغي مواجهته والسيطرة عليه كما يقول الشعار الشهير لديكارت. فالفيروسات ليست سوى رد فعل تقوم به الطبيعة، ضد الاستغلال الفاحش الذي نقوم به لها. محاولة تدافع بها عن نفسها وعن حقها في البقاء. وإذن ليس الوباء إلا ناقوس خطر يدق من أجل ضرورة مراجعة كل شيء، في الايكولوجيا والاقتصاد والسياسة وغيرها. ولكن هل سنكون في مستوى اللحظة التاريخية، أم أننا بعد الجائحة سنعود مجددا لما كنا عليه، تحت ذريعة الرفع من الإنتاجية لتدارك ما فات؟ !

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع