أخر تحديث : الإثنين 8 يونيو 2020 - 4:13 مساءً

كلام في الحجر الصحي : 44 _ جائحة كورونا وذاكرة المغاربة: من الحَجْر إلى الجَهْـر

 

كلام في الحجر الصحي سلسلة في حلقات يعدها الأستاذ  محمد أكرم الغرباوي  لاستقراء آراء فاعلين جمعيويين ، مثقفين ، رياضيين ، شراح مختلفة …ترصد تجربة الحجر .

الحلقة 44 تستضيف  الدكتور خالد التوزاني

أكاديمي  رئيس  المركز المغربي  للاستثمار الثقافي

______

يملك المجتمع المغربي ذاكرة قوية؛ لا ينسى الأحداث الأليمة كما لا ينسى الأحداث السعيدة أيضاً، وتأريخ الذاكرة للوقائع يتم عبر اللغة والعادات وأساليب العيش وأنماط التفكير، فنجد مصطلحات في الدارجة المغربية تدلّ على الهلاك والضياع، مثل “الجايحة” التي أصلها “الجائحة” وتقال لمن ضاع وانحرف انحرافاً شديداً مُهلِكاً له (ضربته الجايحة)، ونجد لفظ “بوكليب الأكحل” الذي يعني “الطاعون الأسود”، كما نجد المئات من قصائد تفريج الكربات، والتوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم، كما أضفى المغاربة على بعض الأماكن طابع القداسة أو الرعب، مثل باب الشريعة، في بعض المدن المغربية كفاس وتازة ومراكش، أطلق عليها المجتمع المغربي اسم باب المحروق، نظرا لمشاهد حرق الثوار والمتمردين على السلطان في بعض الفترات التاريخية، وباب الجياف، بمدينة فاس التي كانت تلقى فيها جثثت الموتى من وباء الطاعون وتترك لتجفّ تحت أشعة الشّمس.
لقد عرف المغاربة الأوبئة والأزمات، وكافحوا من أجل البقاء، فاكتسبوا بذلك خبرة ترجموها إلى فنّ العيش، فقد كانت بيوتهم تتضمن مرافق لتخزين الغذاء، وضمّ المطبخ المغربي وصفات تقي البرد وتدفع الجوع لساعات طويلة، كم ضمّ وصفات للعلاج والتداوي، وتميّز اللباس المغربي بخصوصيات الحماية مثل الجلباب والسلهام واللثام، إلى جانب ثقافة التضامن، والقدرة على الخلوة والعزلة لشهور عديدة، حتى يرفع الله البلاء، وتمر المِحنة، وفي طياتها نِعمة وبركة، فكم من حافظ للقرآن كانت العزلة سبباً في حفظه، وكمْ من دارسٍ لبعضِ العلوم، كانت الخُلوة مناسَبةً لنبوغه، فضلاً عن بعض أرباب الصَّنائع والفنون والحِرف، الذين أبدعوا في أوقات الحجر الصّحي تحفاً فنية، وأعمالاً ظلت خالدة، كل ذلك خدم المغرب اليوم في مواجهة وباء كورونا، والذي يمثّل طاعون الأمس، ولكن بوعي اليوم وإمكانات العصر، لتصبح تجربة المغرب رائدة في مكافحة الأوبئة وجديرة بالتقاسم مع شعوب العالم، فينتقل المغاربة من الحجر إلى الجهر والنشر تعميماً للفائدة.
لقد شكّل الوباء فرصة لتغيير وعي المواطن والارتقاء بالحسّ الوطني، فأثمرت الجهود ردود فعل إيجابية تجلّت في حجم التضامن الذي عمّ أرجاء المغرب، ونبوغ الكفاءات الوطنية، وارتفاع منسوب التضحية التي بذلها أطر التعليم والصّحة والأمن والوقاية والجيش والدرك والقضاء والسلطات المحلية والمجتمع المدني، من مبادرات قيمة، تروم الدفاع أمن المغاربة وسلامتهم، وهي مبادرات تمثل في الواقع شخصية المغاربة في أبعادها الروحية والإنسانية التي أعادت للواجهة معنى الاستثناء المغربي، في الوقت الذي نشهدُ فيه أنانيةَ بعض الدول وصراعاتها السياسية وحروبها الاقتصادية دون اكتراث بمصير المواطن.
ولأنَّ الذاكرة المغربية حية وقوية، ولا تنسى الأحداث الكبرى، فقد أرّخ لهذه الجائحة عدد من المثقفين والأدباء فكتبوا المقالات والقصائد، وأبدعوا اللوحات التشكيلية والمقاطع الفنية بوسائل العصر من تكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي، كما انخرط أطفال المغرب في تأريخ الحدث بإبداعاتهم ويومياتهم، مما أكّدَ يقظة المغاربة بكل مكوناتهم، وارتفاع مستوى الوعي الجماعي، الشيء الذي ينبغي أن يُذكَرَ ويُشكَرَ ويُنشَر، ففي الأزمة تُمتحَنُ الأخلاق وتُعرَف معادن الشعوب، وكما قيل: ستعلم حين ينجلي الغبارُ، أفرسٌ تحتكَ أم حمار، هكذا لم تزد الجائحة المغاربة إلا وحدةً وتضامناً، وبفضل الذاكرة القوية، ستعلم الأجيال القادمة مقدار شهامة المغاربة في مواجهة جائحة كورونا.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع