أخر تحديث : الجمعة 4 يناير 2019 - 12:33 صباحًا

إله رجال الدين وإلهنا

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 4 يناير, 2019 | قراءة

نسرين الطوصي
لقد كان المقال الأخير أو”نص الوداع” الذي كتبه المفكر الراحل جورج طرابيشي قبل موته، بعنوان “ست محطات في حياتي” ملهما لي بشكل غريب ،يقول الكاتب وأنا في رحلة نهاية عمر، وبعد عقود ستة من صحبة القلم الذي آثرته – عدا زوجتي وبناتي – على كل صحبة أخرى، أجدني أتوقف أو أعود للتوقف في المحطة الأولى من حياتي والتي كان لها دور في أن أكتب كل ماكتبته حتى الان ،فقد ولدتُ من أسرة مسيحيّة وتديّنت تديّناً مفرطاً فــي الطور الأوّل من مراهقتي. وكنت أؤدي كلّ واجباتي الدينية بحساسية تثير حتّى سخرية أخي الأصغر منّي.

ذات يوم في المدرسة ، وفي السنة الثانية من المرحلة الإعدادية – وكنت صرت في نحو الرابعة عشرة من العمر- كان من جملة دروسنا درس التعليم الديني الذي كان يتولاه كاهن معروفة عنه صرامة الطبع. وكنا في تلك المرحلة قد تكونت لدينا فكرة واضحة بما فيه الكفاية عن خريطة الكون وكروية الأرض ودورانها وحجمها، قال لنا المدرس الكاهن:” تعرفــون أنتم يا أولادي الآن ما هــــــي الكرة الأرضية، وتعرفون حجمها أريدكم أن تتصوّروا كرة أرض أكبر من أرضكم بمليون مرّة، وأنّ هذه الكرة الأكبر بمليون مرة من كرة الأرض ليست من تراب وماء بل هــي من حديد فولاذي صلب،هذه الكرة الأكبر من الأرض بمليـــون مرّة والأصلب من الحديد الصلب، يمرّ عليها كل مليون سنة طائر، فيمسحها بجناحه …. فكم وكم – وهذه الكلمة لا زالت ترنّ في أذني إلى اليوم- كم مليون.. مليون.. مليون سنة يحتاج هذا الطائر إلـى أن يمسح بجناحه ليذيب هذه الكرة الحديدية الأكبر من الأرض بمليون مرة؟ تذوب هذه الكرة ولا يذوب عذابكم في جهنّم إذا متّم في حال الخطيئة”.

سمعت هذا التحذير الحسابي فأصابتني رعدة – فقد فهمته بكل أبعاده إذ كنت في حينه تلميذاً متفوّقاً – وخرجت مـن المدرسة وسرت في الطريق وأنا أطأطئ رأسي. ذلك أن المدرسة كانت تقع في حيّ عتيق جدّا وكئيب، تفوح منه روائح الأماكن المغلقة…….. ووصلت إلـــى البيت وأنا في شبه هذيان وأصابتني حمّى حقيقيـــة وبقيت يومـــين طريح الفراش، ثم لما أفقت كان ردّ فعلي الوحيد أنني قلت بيني وبين نفسي: لا، إن الله ذاك الّذي حدثنـي عنه الكاهن لا يمكن أن يوجد ولا يمكن أن يكون ظالماً إلى هذا الحدّ. ومن ذلك اليوم كففت عن أن أكون مسيحيا.

ربما وأنا أقرأ مقالته هاته إنتابني شعور أني قد سمعت هذا الكلام من قبل أو لنقل مثله مرات ومرات ، ذللك الإله عند كاهن المسيحية هو نفسه الذي تصدع به خطبنا الدينية ويحدثنا به دعاتنا في الإسلام … لقد أكتشفت من خلال مقالته الشبه الكبير بين من ينصبون أنفسهم رجال دين وحماة الرب على الأرض، فأنا أيضا تربيت على هذا النوع من الخطاب في مجتمعي ، الفرق بيني وبين الكاتب إني لم أستطع يوما أن أتخلى عن الاسلام !!

ربما كان في الأول تصديقا مني لتلك الصورة التي رسموها لي عن خالقي أو هي جرعات الخوف والهلع التي إحتلت كياني من أن يصيبني مصيبة في نفسي أو أن تخسف بي الأرض إذا ما أنا تخليت عن ذاك الإله ، إخترت الفزع والرهبة على التخلي ثم مالبتت هاته الصور تغادر كياني مرة عن مرة … تسائلت في مواقف كثيرة بيني وبين نفسي كيف لإله قيل أنه أوجدنا على هذا الكوكب حتى نعيش المشقة والعوز ونتكبد العناء ،اله يهوى تعذيب البشر في نار سوداء مضلمة ليشرب أهلها من زيت محمى يقطع الأمعاء ونحاس مصفر ورصاص مذاب يصب في آذانهم ، و يعلق النساء من شعورهن وصدورهن وألسنتهن والحميم يصب في حلوقهن ، أجساد تشوى المرة تلوى المرة وتعذب بأبشع أنواع وآساليب العذاب تماما كفلم رعب بئيس ، كيف له أن يكون هو نفس الإله الذي خلق زرقت السماء المبهجة وصوت البلبل السجي وألوان الطير والفراش التي تملئ أرجاء الأرض … كلما أردت أن أصدقهم رفعت نظري للسماء أتأمل الزرقة فيها ، ذاك اللون الذي يبعت على الإطمئنان ثم أحدث نفسي كيف يكون هذا الخالق الذي فكر في صنعته بهذا الحد من الكمال حيث جعل لخلقه متنفسا للراحة والسكينة غير بعيد عن نظرهم ويصاحبهم أينما رحلو وارتحلوا وأتفحص خيوط الضباب البيضاء الرفيعة منها والثقيلة التي تضفي شاعرية أكثر على صورة ثم أنظر لأسراب الطيور المحلقة في الجو بفرح وحرية ملئى البطون وأقول أيكون هذا نفس اله الكاهن !!
إن الطريقة التي نرى فيها الله ماهي إلا إنعكاس للطريقة التي نرى فيها أنفسنا فإذا لم يكن الله يجلب لنا إلا الخوف والملامة فهذا يعني أن قدرا كبيرا من الخوف والملامة يتدفق في أنفسنا أما إذا رئينا الله مفعما بالمحبة والرحمة فإنننا نكون كذللك.. هكذا قال شمس التبريزي بٱحد قواعده ولا شك أنه قول حكيم ، فأنا بكل أخطائي وزلاتي ومعاصي يحتويني كم وكم …رعاية وحب ورحمة وأنتم كذلك حين تقرأون هذا الكلام لا محاله أنكم تستشعرون تللك الأحاسيس مثلي وتتذكرون بينكم وبين أنفسكم كيف كان الله أقرب لكم من ذلك الصنم الذي صنعه دعاة الدين والحق الحق أنه لا إله إلا هو ذاك الذي يوجد فأعماقكم رغم ما فعله به المدعون بمعرقته وخدمته فحذرو أن تنجرفو لذلك الإله البشع المليئ بصفات الانسانية كالانتقام والكره ولتبحتوا في أنفسكم عن الله .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع