أخر تحديث : الأحد 6 يناير 2019 - 11:40 مساءً

جدلية التربية والتنمية

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 6 يناير, 2019 | قراءة

عبد الرؤوف الزكري :

إن عالم الغد، وقبله اليوم، ليس « عالم العفوي والتلقائي. بل عالم مخطط له بشكل جيد، وذلك عن طريق التنشئة» (ميالاري). فمكانة المجتمعات ومستواها الاقتصادي وحالتها الاجتماعية، متوقف على الحالة التي ستؤهل بها أعضاءها. فالتنمية التي تضخم الخطاب بصددها، لن تحدث عبر المنصات  الإعلامية، وخلايا إنتاج الكلام، مهما اتخذت من أسماء، من قبيل المنتديات العلمية والموائد الدراسية، والمنظومة التربوية والتكوينية تركن إلى الاجترار المعرفي والتكديس النظري، عبر مناهج آمنت « أن ليس بالإمكان إبداع أحسن مما كان». والسبورة سندها، والمدرس محورها. مع الإعلاء من شأن الخطابة والمناظرة، والحط من قيمة البحث والعمل، اللذان بغيابهما يغيب التفاعل المنشود بين الإنسان ومحيطه، واستثمار أكبر قدر ممكن من إمكانياته وموارده، وبدونها تكبو النقلة المجتمعية التي عبثا نحاول وثبها، في ظل تعليم يهدر من الطاقات أكثر مما يؤهل، ينهك الاقتصاد عوض أن ينميه، يورث الهشاشة بدل ان يهاجمها. تعليم همه التوريث الطبقي، بدلا عن الحراك الاجتماعي.

الأصل التربوي للاختلال التنموي:

يقصد بالتنمية تلك العملية التي تعمل على « الانتقال بالمجتمعات من حالة ومستوى أدنى إلى حالة ومستوى أفضل. من نمط تقليدي إلى نمط آخر متقدم كما ونوعا، وتعد حلا لابد منه في مواجهة المتطلبات الوطنية في ميدان الانتاج والخدمات». وفي إطار البحث عن هذا الحل، والذي لم تحققه جل السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي نهجها المغرب، والتي عملت على تعميق فقر الفقراء وغنى الاغنياء، وما تنتجه البلاد من ثروات، بات حكرا على طبقة محدودة من المحظوظين. فالمغرب ضاعف من ثروته الإجمالية التي انتقلت من 5904 إلى 12833 مليار، لكن بالمقابل نجد 10% يستهلكون 33% من خيرات البلاد. الشيء الذي « يؤكد أن الثروة لا يستفيد منها جميع المغاربة»، من هنا يغدو مشروعا التساؤل « هل اختياراتنا صائبة؟».

إن الاختلالات التي تعرفها البرامج التنموية المشتتة بين عدة قطاعات حكومية ومجتمعية ودولية، يرجع أسبابها السياسي، إلى غياب الديمقراطية والفساد. والاقتصادي في الليبرالية المتوحشة، والاحتكار والمنافسة الغير المتكافئة وتفشي الريع. والحقوقي يراها في غياب حكامة عادلة و الاستحقاق في توزيع الثروات. في حين تدل تجارب الدول التي بلغت أعلى المراتب في السلم التنموي، أن الناظم بين مختلف وجهات النظر، هو غياب تعليم فعال وراسخ، يؤهل المواطن للانخراط في مختلف مجالات الحياة بفعالية والمساهمة في تدبير ما تطرحه من إشكالات بكفاءة. قادر على اقتناص الفرص التي تتيحها بل العمل على خلقها. فجل الدراسات والتقارير تؤكد أن مسؤولية منظومة التربية والتكوين ثابتة في استمرار ارتفاع نسب الهشاشة بالمغرب، وضعفها أو انعدامها في أنظمة أخرى. ف« إحدى أكبر نقط الضعف في الجزء البشري من الرأسمال اللامادي للمغرب هي ضعف المستوى التعليمي للساكنة المغربية»(بنك المغرب/المجلس الاقتصادي والاجتماعي).

التعليم بين محاربة الهشاشة وتعميقها:

إن إطلالة على الأرقام، التي هي أصدق أنباء من كل خطاب إنشائي مهما بلغت درجة تساميه، تتأكد لنا مسؤولية التعليم المباشرة عن فاجعة الفقر ومستتبعاته من الانحرافات الأخلاقية والسلوكيات العدوانية التي يعرفها الشارع المغربي. هي سلوكات  صادرة عن مواطنين لم يتجاوز معدل دراسة البالغين منهم 25سنة، 4,4 سنة لكل فرد، مقابل 12 سنة للكوري الجنوبي. بالإضافة إلى الهدر المدرسي المرتفع، حيث تلفظ المدرسة المغربية حوالي 400 ألف طفل سنويا، ويكرر 760 ألف سنويا، وهو ضعف المعدل العالمي. بالإضافة إلى 10 ملايين من المغاربة أميين ، (الوكالة الوطنية لمحاربة الأمية). فكيف لهذا الكم الهش تعليميا أن ينخرط بفعالية في المسلسل التنموي، مستفيدا ومفيدا؟ وقد أشارت دراسة للبنك الدولي، أن إنتاجية النشيطين ،  تتضاعف كلما زادت  سنوات استفادته من خدمات المدرسة ، مهما كان نشاطه الاقتصادي. وهو ما يفسر أيضا، ضعف الوعي السياسي والاجتماعي، وكدا هيمنة الأقلية على الامتيازات كما يرى محمد الدريج.

هذه المؤشرات كافية للاستدلال على الانسحاب الذي فرض على الكثيرين من الفعل التنموي، والنأي بهم بعيدا عن دائرة الحراك الاجتماعي، والانتاج الاقتصادي، والابتكار العلمي والإبداع الأدبي. فربط الفرد بالحياة بمختلف جوانبها، يتم عبر تنمية عملياته الذهنية ومهاراته الحركية. وهذا من صميم عمل المدرسة، التي يقع على عاتقها تلبية هذه الحاجة الفردية والمجتمعية، آنيا ومستقبليا. باستثمار الموارد العمومية فيما ينهض بالإمكانات الفردية والجماعية، إلى أبعد ما يمكن ان تصل إليه، تواصلا وتفاعلا مع البيئة في عملية ديناميكية، كبديل عن السلبية في التعلم، والشحن المعرفي الذي يفرغ في أقرب محطة اختبارية. لا تقرر إلا في الانتقال من مستوى لآخر، مهملة لكثير من المتغيرات الوظيفية والبنائية للعملية التربوية. وهذا ما جعل البعض وهم كثر، يعتبرونها مستنزفة للاقتصاد ومهدرة للطاقات. وما يشكل انقلابا على وظيفتها والغاية من وجودها، المتمثلة في إعداد البشر واستثمار إمكانياتهم وتنميتها، يستفيد من عائداتها الرمزية والمادية، الفرد والمجتمع. وهو التحول الذي طالما ناشدناه. وهذا ما يؤكده الدرس الياباني القائل: « تعيش البلدان على ثروات تحت أقدامها، بينما نحن نعيش على ثروات فوق أكتافنا تزيد بقدر ما نأخذ منها ». ويتحقق ذلك بتعليم قادر على إخراج الفرد من دائرة العالة إلى أفق الإنتاج والإبداع، بعد تكوينه وتأهيله علميا وأدبيا. ونقل خطط التنمية من الاهتمام على الرأسمال ومعدلات الاستثمار المادي، إلى الاستثمار في الموارد البشرية، بالقضاء على الهشاشة التي تكبح قوى الفرد من الانطلاق في مشاريع مبدعة وخلاقة، بتوفير شروط اكتساب معظم أهلها المهارات العلمية و التدبيرية ، عوض قتلها وتبخيسها. فالفقر يعشش في ظروف تغديها السياسات التربوية والاجتماعية  والاقتصادية.

خاتمة:

تقول الحكمة الصينية: إذا أردت الاستثمار لعام واحد فازرع الحنطة. وإذا أردت الاستثمار لعشر سنوات فازرع شجرة. وإذا أردت الاستثمار مدى الحياة، فازرع في الناس. لذا يمثل الحرمان من التعليم، بداية تموقعهم في خانة الفقراء، ولقد بات من المؤكد، ان قلة التحصيل العلمي ورداءته ترتبط ارتباطا قويا بالفقر. فالتعليم النوعي بوابة التنمية الشاملة والدائمة. فهل نحن مستعدون للتعلم؟(إريك بير جلوف)

 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع