أخر تحديث : الجمعة 12 أبريل 2019 - 11:20 مساءً

الاهتمام بتاريخ القصر الكبير وبموروثها الثقافي هم قديم وليس بجديد

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 12 أبريل, 2019 | قراءة

د. أنس الفيلالي :

لم أكُن في الحقيقة راغبا في الخوض في هذا الموضوع، بل ولم أكن لأهتمّ بإثارة قضيّة حسبتُ أن النّقاش حولها قد أسدل عليه السّتار منذ وقت طويل؛ أما وقد رأيتُ إصرار البعض على إنكار حقيقة لا غبار عليها وتعويضها بتصوّرات مغلوطة تحاولُ أن تصيح في وادٍ من الترّهات، فإني أرى الردَّ واجبا أخلاقيا وعلميا وتاريخيا.
على أن ما يزيدُ من طين هذا البهتان بلّة إصرار أصحابه على مواصلة التغاضي عن الحقائق والاستمرار في القول دون تحري الدقة والرّصانة الواجب توفرّهما في الباحث الذي يحترم ذاته وقراءَه. ومن ذلك ما وصلني عن تدوينة لباحث واعد مفادها أن بحثا له كان قد أنجزه سنة 2009 حول الموروث الثقافي لمدينة القصر الكبير يعدُّهُ حسب تعبيره “أول محاولة من نوعها في الجامعة، تثير الانتباه للإمكانيات التي يتيحها الموروث الثقافي لمدينة القصر الكبير على مستوى التنمية المحلية”، مضيفا أنّهُ عند إنجازه لبحثه لم يكن ثمَّة “اهتمام كبير بالموضوع من طرف فعاليات المجتمع المدني في المدينة، بعدها تحرك النقاش، أسسنا فريق العمل المحلي لحماية التراث الثقافي”، قبل أن يشير إلى أنّ “هذا العمل [كان] سببا في تحريك النقاش حول تراث المدينة الثقافي، واليوم، نحن أمام موضوع أخذ مكانه وسط باقي مواضيع الشأن المحلي”. ثم يقول في تدوينة أخرى “هو جزء يسير جدا مما أدين به لهذه المدينة التي تقاوم العابثين بتاريخها”.
لم أعر المسألة اهتماما، وأدرجتُها في عداد الحماس المتّقد الذي يصاحبُ البدايات والبواكير، وفكرتُ أن مصارعة طواحين الهواء لابد منها لبعض المبدعين والباحثين الواعدين في بداية تجاربهم، خصوصا منهم الذين يبدو لهم أن كل ما يقوم به الآخرون دون معنى وجدوى، إلى أن صادفت أكثر من مقالٍ لزميلنا الواعد قائمٍ على الشكل والتصور ذاته في بوابة القصر الكبير  حول الكتابات التاريخية والمورث الثقافي بالمدينة. بل إن محاورا له سأله في برنامج محلي بتاريخ 12يونيو 2018 عن الكتابات التاريخية، فكانت إجابته ضحكاً ساخراً، مضيفا أن جل الكتابات يحركها دافع هوياتي، وفي جلها كتابات لهواة عن سير الأشخاص ويغلب عليها سرد للوقائع ” بعيدا عن “الزاوية الأكاديمية التي تنضبط لمنهج البحث التاريخي”، مضيفا أنَّ “هناك رصيدا من حيث الكم، أما من حيث الكيف فنلاحظ ضعفا في الدراسات الأكاديمية”.  في المقابل يتحدث عن أول أطروحة دكتوراه، وعن قيامه ضمن فريق بأول  عملية جرد للتراث الثقافي بالمدينة مباشرة بعد مناقشته لبحثه للماستر.
في الحقيقة، لا أستطيع الرد على كل ما صدر عن زميلي العزيز، لكني مضطر لتصحيح بعض المعطيات والحقائق القائمة، تقديرا لمجهودات عدد كبير من باحثينا، وتقديرا لمساعي المجتمع المدني في هذه المدينة العزيزة، لكن قبل ذلك أدعوه من هذا الموقع إلى تحويل النقاش الفعلي  حول الأبحاث والأطاريح الجامعية التي أنجزت عن المدينة، وخاصة أطاريح الدكتوراه المتعلقة بفترة الحماية، ولم تقدم شيئا، إذ ظلت رهينة تدوير الأفكار التي جاءت بها الكتابات الأجنبية والمراجع العربية التي وصفها ب : “الهاوية”، بالإضافة إلى سقوطها في الكثير من الأخطاء اللغوية والمعرفية والتقنية والمنهجية ، فظلت في غالبيتها مرتهنة في نقل أرقام ومعطيات مختلفة أوردتها الكتابات الأجنبية وفي سرد تلك المعطيات ووصفها، ولم تَعْدُ هذه الأطاريحُ كَوْنَها صورا عن الأعمال السابقة دون أن يكون لها جِدَّةٌ أو أيّ إسهام نقدي. أو يجيب زميلنا على الأقل عن سؤال ذكي لمقدم البرنامج المصور الآنف ذكرُه، ويطبقه على بحثه بالأساس، حينما قال له: ألا تستحق المدينة أبحاثا تجيب عن مجموعة من الأسئلة والظواهر بالإشكالات والظواهر الكبرى؟ فيخبرنا ما الذي قدمه من جديد في هذا القبيل في الفترة التي اشتغل بها بعيدا عن إعادة صياغة معطيات ما كتب من قبل؟
بالنسبة لحواره المصور المُشار إليه، وبخاصة عند حديثه عن الفريق الذي وصفه بأنه قام بـ”أول” جرد للتراث الثقافي بالمدينة، فأودُّ أن أحيط  زميلي العزيز علما أنني لم أسمع  عن هذه الأمور  التي قرأتها له أكثر من مرة، من كل زملائه في المشروع حينها، بل لم يسبق لي أن سمعت من أحدهم كلمات من قبيل ” فعلت” و منذ الفترة التي كانوا يشتغلون فيها في الفريق وهم طلبة في سلك الماستر مع آساتذة آخرين لم أسمع بهذه الكلمات من أصدقائنا ولم أسمع بها حتى من الباحث الذي أنجز جل مادة الكتاب التاريخي الجماعي الخاص بهذه المبادرة المحمودة، كما أذكّره  في المقابل بأن جرد التراث الثقافي للمدينة ليس بعمل خرافي، أو اكتشاف يستحق كل هذه الجلبة والبلبلة، فجل القصريين يعرفون مواقع تراثهم، ومع ذلك أؤكد له بأنه تم القيام بمبادرات أكثر احترافية ورصانة،  وسابقة للفترة التي يتحدث عنها، آخرها تلك المنجزة بشراكة بين المجلس الجماعي وحكومة الأندلس  والصندوق الأروبي للتنمية، والتي شارك فيها مجموعة من الباحثين الأكاديميين المغاربة والأجانب، ومنهم الدكتور محمد المغراوي والأستاذ محمد أخريف، ويمكن الاطلاع على مطوية هذا العمل بالعربية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية على موقع حكومة الأندلس.
وبخصوص تلك الضحكة الساخرة من كتاباتٍ حول تاريخ المدينة، فلا يسعني إلا تذكيره بأن تاريخ المدينة لم يبدأ منذ سنة أو أربع، وأن  جل من كتبوا فيه ليسوا هواة أو كتبوا فقط بحاسة الانتماء للمدينة، بل هناك عشرات الأعمال لباحثين أكاديميين قدموا مجهودات رفيعة، دون أن يكونوا بالضرورة من أبناء المدينة، ولك مثال في كتاب: “الأندلسيون في القصر الكبير” للدكتور رشيد العفاقي، وكتاب “الذاكرة وحضور النساء الصالحات بالقصر الكبير، الرواية الشفاهية والتقليد الكتابي ” للدكتور رشيد الحور ابن المدينة، وهو عضو جمعية البحث التاريخي والاجتماعي بالقصر الكبير وأستاذ كرسي ورئيس شعبة الدراسات العربية والإسلامية بجامعة سلامانكا الإسبانية، وأنجز عمله بالاشتراك مع الدكتورة مانويلا مرين، أستاذة كرسي متقاعدة بالمعهد العالي للبحوث العلمية بمدريد، وصدر في إحدى أرقى الجامعات الإسبانية، ، وكتب أخرى للدكتور عبد العزيز بنعبد الله وآخرين، أو مقالات ودراسات للدكتورة البضاوية بلكامل والدكتور حسن الفكيكي والدكتور أحمد أشعبان والدكتور عبد المجيد بنجلون و الدكتور عمر أكراز والدكتور خلوق التمسماني وآخرين.
ومن أبناء المدينة نجد أيضا باحثين مرموقين من قيمة الأساتذة: محمد أخريف ومحمد العربي العسري ومحمد المغراوي ومحمد يعلى و محمد عبد الرحمن بنخليفة و محمد الخشاني و عبد الله بن عتو ومصطفى الشريف الطريبق و عبد السلام القيسي ومحمد بنعتو وغيرهم ممن خلفوا كتبا أو دراسات أو مقالات لها قيمتها الأكاديمية الاعتبارية،  وجلهم تخرجوا في أرقى الجامعات المغربية والمشرقية منذ ستينيات القرن الماضي، ويتقنون اللغة العربية ولغات أجنبية أخرى، أو على الأقل لم يسقطوا يوما في فخ / محاورة تلفزية مترجمة من الدارجة إلى الفرنسية أو الإسبانية مع باحثين آخرين يتقنونها في المحاورة نفسها على سبيل المثال، أو أعمال أخرى في الوقت الحالي لباحثين شباب في مستوى أكاديمي رفيع من قبيل أطروحة الأستاذ محمد الصمدي وغيره من الذين لم نسمع عنهم يوما كلمات من قبيل السبق وكأننا في سباق في ألعاب القوى أو في منافسة في نقل الأخبار الصحافية الطازجة. ولا أخفي أنه في الوقت الذي كنت أقرأ ما كتبه الباحثُ الحصيف عن المدينة وعن الكتابات التاريخية حولها، صادفت في أرشيف جمعية البحث التاريخي والاجتماعي تعليقات ورسائل عديدة عن إصداراتها ومجهودات باحثيها منذ ثلاثين سنة من تأسيسها،  لمجموعة من الباحثين والشخصيات الوطنية تقدر منجزها كما يقدره مختلف الباحثين، ومنها تعليقات لعبد الهادي التازي وإدريس الضحاك و أحمد شحلان و مؤرخ المملكة السابق عبد الوهاب بنمنصور والحالي عبد الحق المريني.   بل وفي تقديم لأستاذنا الكبير عثمان المنصوري لكتاب ” يهود القصر الكبير” للأستاذين محمد أخريف ومحمد العربي العسري يقول فيه عن أعمال الجمعية  على سبيل المثال لا الحصر بالحرف ” أعمالا ضخمة كما وكيفا”.
أما بالنسبة لتدوينات زميلي العزيز، فواجب علي أن أصحح له بعض المغالطات، ليس باعتباري واحدا من عشرات الباحثين القصريين الذين اشتغلوا على الموروث الثقافي بالمدينة على مستوى التنمية المحلية في أبحاثهم الجامعية تحت إشراف أستاذنا الدكتور امحمد بنعبود، بل لإثراء النقاش ومحاولة التذكير بمجهودات أجيال من الباحثين الذين اشتغلوا في أبحاثهم على هذه المدينة التي استحقت معاناتهم ومكابداتهم في الجامعة قبل هذه الفترة المتأخرة التي تعود لسنة  2009، كما أن المجتمع المدني القصري الذي يشتغل في الفترة الحالية اشتغالا مكثفا عبر عدد كبير من الفاعلين الجمعويين والباحثين لم ينتبه لموروثه الثقافي في هذه الفترة فقط، وليس عشوائيا كما جاء في حوار زميلنا العزيز، بل ظل الموروث الثقافي وراهنيته في التنمية المحلية موضوع عشرات المبادرات التي أطلقت قبل ثلاثين سنة في حدود اطلاعي، ولم يسبق لأحد من فاعليه أن اعتبر نفسه أول من يهتم بالموضوع، على غرار عشرات الباحثين الذين اهتموا بالموضوع منذ ثلاثين سنة على الأقل في حدود اطلاعي أيضا، ولم يسبق لأحد منهم أن ادعى أيضا أنه كان أسبق من غيره.
 بالنسبة للأبحاث الجامعية التاريخية التي أنجزت حول المدينة في الجامعة المغربية، فأذكره أن طلبة القصر الكبير في كل سنة يواظبون على مناقشة عدد كبيرمن الأبحاث حول الموروث الثقافي أو التاريخي للمدينة، وذلك منذ أولى الأبحاث التي ترجع للأستاذ محمد أخريف سنة 1976 بجامعة محمد الخامس و لم تفتر من حينها في جامعات من قبيل   جامعة عبد المالك السعدي وابن طفيل وجامعة الحسن الثاني  وغيرها، وهناك أبحاث لأساتذة جامعيين من المدينة أنجزت في كبريات الجامعات الدولية، كما اشتغل عدة باحثين من اسبانيا والبرتغال في الجامعات الإسبانية والبرتغالية على أبحاث حول القصر الكبير، و لم يسبق أن قرأنا لأي منهم من المغاربة أوالأجانب كلمات عن السبق أو الانفراد أو التفوق على الآخرين والحط من قيمتهم.
أما بالنسبة للأبحاث الجامعية التي اشتغلتْ على الموروث الثقافي وربطتْهُ بالتنمية المحلية ربطا مباشرا، فيمكنني أن أذكر العشرات منها أيضا ، أنجزت قبل سنة 2009، وسأكتفي بلفت الانتباه لبعضها مما أنجزه أبناء المدينة فقط، مع العلم أن هناك باحثين كثراً من مدن أخرى اشتغلوا بموروثنا الثقافي والتاريخي المحلي، بل إنّ أعمال بعضهم خلفت وقعا لم تخلفه جلّ الأبحاث التي أنجزت في السنوات الأخيرة عن المدينة، ومنهم بحث للدكتور أحمد أشعبان قدّمهُ لنيل دبلوم الدراسات العليا في التاريخ في الموسم 1988/87 وهو بعنوان ” أبحاث تاريخية وأثرية حول مدينة القصر الكبير”، بجامعة الحسن الثاني بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، وآخر للأستاذ أسامة الزكاري ابن مدينة أصيلا الذي اشتغل فيه بالتاريخ والتراث الثقافي للمدينة من خلال منجز ميشو بلير وجورج سالمون؛ أما على المستوى المحلي، فقد استمرّ الطلبة الباحثون في البحث في الموروث الثقافي والتاريخي المحلي ، ولعل من أبرزهم نجد بحث التخرج الذي أنجزه الدكتور محمد سعيد المرتجي في تسعينيات القرن الماضي، عن المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالرباط، وهو معهد متخصص في مسألة الموروث الثقافي. وبحث ثانٍ للباحث محمد الرهونيش في تسعينات القرن الماضي أيضا بكلية الآداب بتطوان حول الموروث الثقافي والأثري بمدينة القصر الكبير. وبحث ثالثٌ لمصطفى العلالي  حول ” المواقع الأثرية والتاريخية لمدينة القصر الكبير من خلال الجغرافيين العرب وسبل تثمينها واستثمارها على مستوى التنمية”، وهو بحث ناقشه صاحبه خلال الموسم 2004/ 2005 بكلية الآداب بتطوان تحت إشراف الدكتور بركة الريسوني، بالإضافة إلى عدة أبحاث في المجال نفسه، أحدها للباحث محمد بدر البقالي الحاجي حول ” العمارة الدينية بالقصر الكبير” أنجزه في الموسم 2006/2007 بكلية الآداب بتطوان تحت إشراف الدكتور محمد بنعبود، وإن أردت أن أعدد له الأبحاث التي أحتفظُ شخصيا بنسخ منها – وهي أبحاث اشتغلتْ بالموروث الثقافي والتاريخي المحلي على أساس تثمينه في التنمية المحلية – فسأحتاجُ للائحة طويلة تمتدُّ صفحات وصفحات.
من جهة ثانية، أورد صاحبنا أن المجتمع المدني المحلي لم يكن له اهتمام كبير بمسألة الموروث الثقافي المحلي، إلا بعد مناقشة  بحثه سنة 2009 ، وهي مسألة تدعو إلى الكثير من السخرية أكثر من الأولى، أولا على اعتبار أن الأبحاث الجامعية التي تناقش في الجامعة لا توزع على الأفراد والجماعات حتى تحدث وقعا فيهم. ثانيا، فالمجتمع المدني المحلي هو الآخر، ظل منشغلا بهذه المسألة منذ عقود، وترك أثرا محمودا يحسب له في هذا المجال. ونظرا لكثرة المبادرات التي أنجزت في هذا الباب والتي سمعت عنها، أو من التي أحتفظ بمطوياتها أو الكتب التي نشرت فعالياتها، سأورد بعضها .
لعل جيلي والجيل الذي سبقني في السنوات القليلة الماضية،  يذكر كيف كانت المدينة تقلب رأسا على عقب أيام  مهرجان محمد الخمار الكنوني للشعر الذي كانت تنظمه جمعية الامتداد الأدبية على سبيل المثال في الساحات العمومية وبخاصة بقرب المعالم التاريخية، حيث يحج المتعطشون لحرقة الشعر من كل المدن للاستمتاع بفعاليات المهرجان، ولم يكن القائمون على هذه الاحتفالية، وهم كانوا من خيرة مثقفي المدينة، ينظمون هذه الاحتفالية في تلك الأماكن من قبيل الصدفة. وليس من قبيل الصدفة أن تنظم عدة ندوات وازنة في المباني التاريخية الهامة بالمدينة، وأذكر الندوة الهامة التي نظمتها مجموعة الدراسات والأبحاث حول القصر الكبير نهاية تسعينيات القرن الماضي حول موضوع ” مدينة القصر الكبير: الذاكرة والحاضر”، والتي اشترك في تنظيمها عشرون باحثا ومهتما من هذه المجموعة البحثية والجمعوية المحلية التي ضمت كوكبة من ألمع الباحثين والمهتمين بالتراث الثقافي للمدينة آنذاك، منهم عبد الإله المنصوري ومحمد المغراوي و عبد الكبير بوغابة وحسن الصمدي ومحمد سعيد العسري وجلول بونجم ومحمد الخشاني و محمد بنقدور وآخرين،  وخلفت واحدا من أهم الكتب المنجزة عن القصر الكبير، وكل مواده العلمية خلفت نقاشا وصدى محمودا، يضاف لكتب تقدر بالعشرات، سواء من أبناء المدينة او باحثين مغاربة آخرين، بل ومن الباحثين الأجانب، وخاصة الإسبان والبرتغاليين.
لقد ظل المجتمع المدني المحلي واعيا ومساهما في تثمين التراث المادي و اللامادي  بالمدينة، ولولاه لما تم مواكبة مشروعين لإحدى لمعلمتين تاريخيتين هامتين بالمدينة، متمثلتين في الجامع السعيد والجامع الأعظم، حيث كان لجمعية السعيدة لإصلاح وترميم الجامع السعيد من 2001 إلى 2006 برئاسة  الأستاذ  محمد أخريف، والجمعية المحلية للمحسنين التي ساهمت في إصلاح الجامع الأعظم  باعتبارها شريكا استشاريا أساسيا للمجلس البلدي، من 1986 إلى 1991، فظلتا تعملان عن قرب وتواكبان أشغال المعلمتين وتصميمهما وما شابه، وليس ذلك إلا عن وعي لدى أعضاء الجمعيتين بهذا الموروث الثقافي الفريد من نوعه بالمدينة على مستوى التنمية المحلية.
أما على مستوى المبادرات التنموية المباشرة، فيمكنني أن أذكر على سبيل المثال في مجال استحضار دور التراث المادي و اللامادي  في التنمية المحلية خلال مستهل الألفية الثالثة  مشاركة مجموعة من المثقفين من القصر الكبير من ذوي الاهتمام وعلى رأسهم الأستاذ  عبد الاله نخشى في أيام دراسية  مشتركة بين جهة الألب البحرية من فرنسا les alpes maritimesوجهة طنجة تطوان وجامعة عبد المالك السعدي حول موضوع ” الدور الاقتصادي للتاريخ والتراث”، حيث شارك فيها ثلة من المهتمين من فرنسا ورافقهم مجموعة من الأدباء الذين كتبوا  في موضوع الإرث التاريخي مع ندوات علمية وقراءات شعرية وأدبية وزيارة ميدانية للمواقع التاريخية والأركيولوجية في الجهة.
كما نُظمت ندوتان مع المعهد الملكي للآثار: الأولى حول مستجدات البحث والتنقيب الأركيولوجي في المنطقة والثانية حول موضوع تثمين وصيانة التراث التاريخي مع عرض بالصور لعدد من المواقع صورت سنة1997 ثم سنة 2003 وما لحقها من دمار في هذه الفترة القصيرة، و قد ذكّر فيها الاستاذ عبد الاله نخشى بمحاولات مؤسسة القصر الكبير للتنمية تسجيل وتصنيف بعض المآثر التي لم تلق الاهتمام الكافي من المسؤولين عن الثقافة.
في هذه الفترة نفسها عقد المختصون  من المنتمين لشتى جمعيات المجتمع المدني المحلي عدة لقاءات ماراطونية  لمحاولة تنظيم مهرجان إقليمي صيفي لتثمين التراث المحلي واستحضار الدور التنموي للتاريخ، واستُدعيت له كل فعاليات الاقليم الثقافية لاقتراح برنامج لهذه الاحتفالية ومرة أخرى قدم الاستاذ نخشى برنامجا حافلا باعتماد الرابع من غشت وذكرى معركة القصر الكبير  فرصة  من شأنها انعاش السياحة وخلق رواج اقتصادي محلي مع أنشطة ثقافية فرجوية رياضية غيرها . كما تقدم الاستاذ محمد أخريف باقتراح ندوة حول “المشترك الثقافي المغربي البرتغالي: الأمثال الشعبية نموذجا”، وكلفت الدكتورة ح.السدراوي بتتبع ملف من أجل ترميم قاعة الأعلام في المحلة وإعادتها الى رونقها من أجل تأهيلها لاحتضان تظاهرات ثقافية . وبالفعل فقد أعدت ملفا تقنيا رائعا بالتعاون مع مهندسة معمارية متخصصة لأجل دراسة علمية للكلفة والجدوى، غير أن المشروع والفكرة تمّ اقبارهما لأسباب مجهولة.
ويمكن الرّجوع لقصاصات صحف تلك المرحلة، للاطلاع على فكرة ومبادرة جمعوية في غاية الأهمية للمجتمع المدني القصري، ممثلة في مؤسسة القصر الكبير للتنمية التي باشرت محادثات مع قائد حامية طنجة التي توجد بناية ” صالابانديرا” في عهدتها،  والذي تحمس كثيرا حين درسَ الملف بعد أن أطلع عليه المسؤول الأول عن التاريخ العسكري وأعطى موافقته المبدئية علىتسليمه للجمعية شريطة تخصيص جزء منه للتاريخ العسكري، ومرة أخرى تفشل المحاولةعلى أيد محلية آثمة هدامةلكل  المبادرات التي ترمي إلى النهوض بالمدينة وبساكنتها من خلال استثمار تاريخها لأجل بناء مستقبلها، وهي محاولات للأسف لم تخل منها المدينة في تاريخها المعاصر الطويل، لكن النقاش ظل قائما، والمبادرات لم تفتر إلى حدود اللحظة من مختلف الهيئات الجمعوية المحلية الغيورة التي تشمر على سواعدها ، بعيدا عن التنظير الأفقي من سماء مواقع التواصل الاجتماعي والهدم، وهو ما جعل أحد أهم هيئات المؤرخين المغاربة  تحتفي بالمجتمع المدني المحلي في تمثيلية عن الجامعة للجميع بالقصر الكبير وجمعية البحث التاريخي والاجتماعي الكبير في احتفالية كبرى بالمكتبة الوطنية بالرباط حضرها عشرات من الباحثين والمهتمين، نظرا لجهود المجتمع المدني  في هذا المجال منذ سنوات طويلة.
وأذكّر  في النهاية نفسي وكل الدارسين والباحثين في مجال البحث التاريخي أن التاريخ أكبر من أن تتم الإحاطة بأسراره  أو الكشف عن خباياه، وإذا كان التاريخ _ حسب مبدإ شهير_ يكتبه المنتصرون، فإنه ليس من شأن أي كان أن ينسف جهود الآخرين وينسبها إلى شخصه  أو أن يحدد شروط اللعبة على رقعة أكبر من أن تحدّها تدوينة شاردة هنا أوهناك….
أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع