أخر تحديث : الجمعة 19 يوليو 2019 - 9:22 مساءً

المستديرة: من الهزل إلى الجد

الزكري عبدالرؤوف
«إن النفس إذا كلت عميت». وهذا ما يدفع الإنسان إلى اقتطاع  أوقات، من يومه وأسبوعه
وعامه،  بتخلص فيها من مختلف الأنشطة الجدية، المرهقة للفكر والبدن. بشكل مستمر و منتظم، يجعلها  للهو والمرح ومسامرة من ارتضاه من الخلان. سلوك  حذا  بالفلاسفة والمفكرون  إلى جعله دليلا على وجود الروح ، تعترف بوجودها كل الشرائع والمذاهب البشرية، كمون لشخصية الإنسان، لها حاجات ينبغي أن تلبى، ومطالب ينبغي ان تستجاب،  التي لا يمكن إشباع بعضها إلا باللعب. الذي كان و لازال  موضوع بحث ودراسة من طرف الباحثين المتخصصين في النفس والاجتماع البشري. نجد منهم الفرنسي روجيه كايوا،  صاحب كتاب:« الألعاب والبشر»، اعتبر فيه المنافسة والحظ والبهلوانية والتظاهر، من أهم الرغبات التي يلبيها اللعب لدى الكبير والصغير.
الكرة إعداد بدني قبل الكسب المادي:
وتعد كرة القدم، واحدة من هاته الألعاب الأكثر شعبية، لا تنحصر ممارستها في سن معين، أو جنس مخصوص. اجتمع فيها ما تفرق في غيرها من الرياضات، المستوحاة من الأنشطة التي مارسها الإنسان في البحث عن ما يسد به رمقه، أو هروبا من كارثة طبيعية قد تفتك به. ركضا ووثبا و تدافعا… وكل ما يتصل بالقوة البدنية حينا، أو الحيلة والذكاء حينا آخر، لتحقيق المبتغى.
وباعتمادها على القوة البدنية، جعلها الصينيون تدريبا عسكريا، بعدما جعلها الإنجليز لعبة لتزجية الوقت والترفيه عن النفس، الشيء دفع السلطات الحاكمة إلى حظرها، لأن العبث وحده غير كاف لتبرير سلوك الإنسان العاقل، المتنزه عن العبث. كذا لمزاحمتها الرماية التي تعد المواطن للحرب حين تستدعي الضرورة ذلك. إضافة إلى انزلاقها في بداية ظهورها إلى نوع من القمار، يراهن الناس على مساكنهم وأموالهم في حالة الفوز أو الخسارة.
الأبعاد الاقتصادية لممارستها:
إن البعد التكسبي والربحي، سيتعمق مع توالي السنين وانتشار اللعبة على أوسع الميادين. فممارسوها اليوم يعدون بعشرات الملايين، أضف المشجعين والمتابعين، « فقد فاقت شعبية الأديان » (مبارك بن قاسم). وهو تجمع بشري يذكر بالتكتلات الاقتصادية التي تراهن على الأسواق التي يكثر زبناؤها و روادها،  لمضاعفة الأرباح بارتفاع منسوب الاستهلاك . أصبحت اللعبة إذن، سلعة وبضاعة تسوق كسائر السلع، بل بضاعة رائجة، تأسر أرقام معاملاتها الفلكية العقول، وتسحر العيون، يحلم الصبيان منا بنجومها، ويقتفون كل شاردة وواردة تصدر عنهم، تتداول أسهمهم في برصة لا تعرف الأزمات التي تعرقل نمو الاقتصادات.  والراشدون منا سنا، هي متابعة وسجال ورهان، لا ينقطع حبله، بتوالي الأيام والأسابيع. نافست النساء في أزواجهم، وأرباب الأعمال في عمالهم، والأطفال في أرزاقهم. نظرة اقتصادية، حجبت البعد الترفيهي الذي ألهم المبتكرين لها. تسوق بكل لغات العالم، عبر ترسانة إعلامية، حازت من القوة المالية والتقانة التكنولوجية، يعز أن تجد نظيرا لها في غيرها من المجالات.
الأبعاد الثقافية والسياسية لتمويل أنشطتها:
 « كما أصبحت ميدانا لتحرير الأفكار والمصطلحات السياسية والهوياتية، وغرسها في عقول الناس أطفالا وشبابا». بعدما عجزت الأسرة والمدرسة ومؤسسات المجتمع المدني،  بالقيام بدورها  في التنشئة الثقافية والوطنية، فلا غرو أن ترصد لها الميزانيات  لإبراز التماسك الاجتماعي، والتلاحم الوطني، وإخراجه من الكمون إلى العلن، ودفع المواطنين للالتفات حول المقدسات الوطنية والحماس في احتضان رموزها. وتعد من أكثر الرياضات تعبيرا عن الذات، فقد كتبت النيويورك تايمز، أن كرويف نجح في تحقيق في 90 دقيقة، ما عجز عنه رجال السياسة طيلة أعوام.  مشيرة إلى عدد الجماهير التي نزلت إلى الساحات العامة للاحتفال بالنصر على فريق العاصمة، النقيض السياسي والاثني (للبارصة) ، كما الندية في الخصومة الكروية.   وهو ما يبرر تلك التعبئة الإعلامية والتجييش الشعبي وإعلان النفير العام، الذي يواكب إجراء المقابلات. حتى جرى على لسان المعلقين الرياضيين، نعت المباراة ب« موقعة»، وطبعا لا صوت يلعو على صوت المعركة. مما جعل الاعتقاد أنها مسألة حياة أو موت مشروعا، بل « أنها مسألة أخطر من ذلك» (بيل شانكلي).
سحرية اللعبة وترددها بين الجد والهزل:
فكونها لعبة ورياضة، تمارس  بعد عناء الجد وشقاء الكدح، جعلها في خانة الأشياء الغير الهامة. وكونها تلبي حاجات إنسانية لا تلبيها الأنشطة الجادة، جعل أريفو ساكي يصفها ب « أهم الأشياء الغير الهامة». و حصر قلوب متابعيها في طابعها التنافسي  الرياضي،  بتحويل الأنظار عن ما  تلبست به من حقائق جديدة الغير الرياضية الصرفة،  جعل  نعتها بالساحرة متداولا على الألسن دون جدال.   إن تداخل أبعادها الترفيهية  و السياسية  والاقتصادية،  أسال الكثير من الحبر،  وأثار الحماس في  النقاش ، حول سياسة الدولة المتبعة فيها، والميزانية التي ترصد لها، والهدف من تبذير الجهد والوقت فيها، والنتائج المحققة في مبارياتها،  بلغت من الحدة والتطرف، وحازت من الاهتمام، ما يعجز المرء عن وصفه. كل هذا وغيره، غطى لهوها، وأبرز بشكل لا غبش فيه جديتها وأهميتها، وضعها في مصاف القضايا الوطنية ذات الأولوية.
إن علاقة الإنسان بالألعاب، تشبه إلى حد كبير، علاقته بالحياة. للكفاءة والذكاء اعتبار كبير في تحقيق الفوز والظفر بغنائم مسابقاتها. كما أن للحظ نصيب يضعك في منصة المتوجين دون عناء كبير. لكن الأهم من هذا وذاك، أن نوجه طاقاتنا واهتمام أبنائنا إلى ما ينفعهم في الآجل والعاجل. وأن نساعدهم على اختيار هواياتهم بما يوافق ميولاتهم ويساهم في تكوينهم الفكري والنفسي والبدني، وأن لا يطغى جانب على آخر، مستحضرين ونحن نختار أنشطتنا اليومية الأولى والأهم، لأن « الزبد يذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض».
أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع