أخر تحديث : الأحد 18 أغسطس 2019 - 8:23 صباحًا

الاحتباس الفكري.. ظاهرة “المثقف” العربي الراهن

.

انور بلبهلول * :

يبدو أن الاحتباس الحراري انتقل إلى حقل المعرفة الفكرية بعد أن أضحى المثقف العربي يعاني من احتباس فكري شبيه بالاحتباس الحراري الذي يحدث جراء برودة التمثيل العقلي بفعل ثقب طبقة الأوزون المعرفية. ولعل أبرز تجليات هذا الثقب تتضح في نقاش الدين والسياسة بحيث نجد أنفسنا في معركة حامية الوطيس بين طرفين متعارضين طرف أول رغم أنه يمتلك قسط من المشروعية إلا أنه يبقى يقبل بالبسيط، مندهش بالعولمي، بينما الطرف الثاني يعاني الاضطهاد الذي يلازم المثقف الحق، إلا أنه يمتلك قدر كبير من المشروعية في تحليله لثنائية الدين والسياسة ما يفصل الطرف الأول عن تحقيق معرفة رصينة لهذا الموضوع المهم هو الحاجة إلى إعادة التمثيل العقلي والمعرفي لطريقه الصحيح.

أفرز الاحتباس الفكري مثقف مندفع، يرى بأن النموذج المثالي للتغير والخروج من الأزمة التي تمس مجتمعاتنا رهين بإحداث قطيعة ما بين التدبير السياسي لجهاز الدولة والدين، أي عدم توظيف الدين في العملية السياسية والتدبيرية وحصر حضوره على “الشخصي” تحت تأطير القانون الوضعي الذي ينهل من القواعد العولمية شأنه شأن التعليم والصحة وغيرها من القطاعات التي تدبر وفق اجتهاد العقل “الغربي” في مجتمع عربي إسلامي! هذه الدعوة التي ترمي إلى الفصل ما بين الدين والسياسة في المنطقة العربية الإسلامية جاءت كرد فعل للتوظيف الغير السليم للدين من لدن أنظمتنا الحاكمة منذ الاستقلال المزعوم لمعظم البلدان إلى وقتنا هذا، ذلك أنه “الدين” أصبح آلية لتسهيل عملية الخضوع وتنمية التخلف التي تترك للسياسي العربي هامش كبير من السيطرة والتسلط، في ضل احتكاره للدين المعقول ونشره لدين هيمنة السياسي العولمي كما هو الحال مع نظام محمد بن سلمان وغيرها من بعض الأنظمة العربية

بالمقابل أدى الإلتزام بالدين المعقول في الممارسة السياسية إلى قتل الديموقراطية الحقة المتمثلة في السياسي المسلم الأخلاقي محمدمرسي رحمه الله، هذه الندرة التي مثلها محمد مرسي في زمن سيادة السياسي المحتكر للدين المعقول أسقط فئة عريضة من مثقفي العرب في وضع مفارق أدى بهم إلى احتباس فكري أوقعهم في فخ السخط على الدين بإعتباره علة السياسي الفاسد الزنديق، مما جعلهم يدعون  إلى قطيعة مع الدين ككل! متأثرين بالنموذج النهضوي الغربي دون أي مراعاة لطبيعة البنية الثقافية والتاريخية لمجتمعاتنا العربية الإسلامية، ولعل هذا هو مكمن المشكلة، يقول أول مفكر عربي تم قبول ترشيحه لجائزة نوبل محمد عزيز لحبابي رحمه الله في كتابه الشخصانية الإسلامية “إن الخطأ الذي نقع فيه عند الأخد بنماذج التغيير والتنمية يتمثل في أننا نأخد بنماذج خارجية لا توافق شخصيتنا وذواتنا ونسقطها على واقعنا دون أي إعتبار لخصوصياتنا أو لطبيعة مشكلاتنا”.

يبدو أن هذا الإدراك السهل الممتنع هو الذي يفصل المثقف العربي الراهن لإقامة حد مع ظاهرة الاحتباس الفكري التي أسس لها العولمي والآخر المختلف، بمقابل هذه الفئة من مثقفي زمن الجهل المركب نجد ثلة من المثقفين العرب الذين يعيشون التهميش الذي يرافق رجال الحق عبر التاريخ، من يرفضون فصل الدين عن التدبير السياسي للدولة لاعتبارات منطقية وحكيمة عدة أهمها: الفضل التاريخي العظيم للإسلام على العرب حيث لا يمكن الاختلاف على أن الرسالة المحمدية قطعت مع الجهل التام الذي كان يقبع فيه عرب الجاهلية، كما أنه بفضل هذا الدين تم تأسيس حضارة إسلامية عربية عظيمة انطلقت من شبه الجزيرة العربية إلى مختلف مناطق العالم بفضل النموذج الرشيد العقلاني الإسلامي الذي إستطاع وضع المبادئ الأولية للعلوم وللمعرفة بمختلف مشاربها بالإضافة إلى حكم مناطق مختلفة من العالم وترك إرث ثقافي معرفي عظيم.

يبدو أن هذا هو ما لا يتقبله العديد من “المثقفين” العرب من يقبلون بالبسيط أولئك الذين مستهم تداعيات الاحتباس الفكري والعقلي بشكل بليغ بعدما ربطوا الإسلام بالأزمة الراهنة، هذا الأمر الذي يعد إفراز موضوعي لصيغة أعدتها الدول الغربية لتحديد أشكال التفكير عند العرب إلا من رحمه ربي وأنار عقله وقلبه، حيث يؤكد مثقفي الاحتباس الفكري على أن الخروج من الأزمة السياسية العربية الحالية رهين بالسير على نفس خطى النموذج النهضوي الغربي الذي أحدث قطيعة مع الدين في سياق مختلف وبشكل مطلق مع واقعنا الراهن، فإذا كان تسلط الكنيسة ورجال الدين والطبقة الإقطاعية هو الذي دفع مفكري ومثقفي عصر النهضة أمثال فرنسيس بيكون ووليام شكسبير.. إلى الدعوة لإحداث قطيعة مع الدين فنحن لا نتقاسم الظروف التي أسست للنهضة الأوروبية سوى مسألة عدم وجود أعلام قادرة على تحقيق صحوة معرفية تضع حد للاحتباس الفكري الذي أنتج سياسي خائن يخصع للعولمي الرأسمالي. ومن ثم وجب معرفة أن الإسلام في مجتمعاتنا مختطف من طرف حكام العرب الذين يحتكرونه ويستثمرون السحري، كل هذا يحدث تحت توجيه زعماء أعداء الإسلام أعداء العدالة والديموقراطية الحقة.

تتابع لما سبق ذكره يتضح أن سؤال فصل الدين عن السياسة في مجتمعاتنا العربية يخضع لمسألتين الأولى: الإسقاط العشوائي لواقع تاريخي مغاير على الواقع الراهن الذي يتميز بظروف جد مختلفة. الثانية: التأثر الكبير بالنموذج العولمي المعرفي الذي يسعى إلى تكريس تشويه صورة الإسلام عند الجميع وعند “المثقف” العربي على وجه الدقة وهذا ما يبدو أنه قد نجح فيه بعد أن أضحى يدعو هو الأخر إلى فصل الدين عن الدولة، وبتالي يمكن القول أن ناقوس الخطر قد دق وظاهرة الاحتباس الفكري تفاقمت وارتفعت في زمن الجهل المركب عند “المثقف” العربي الراهن.

* أستاذ وكاتب

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع