أخر تحديث : الإثنين 18 نوفمبر 2019 - 10:40 مساءً

المشاركة والانتخابات.. حتى لا تتفاقم الأمية السياسية في مجتمعاتنا

لا يمكننا الاختلاف على أن الأمية السياسية تعد معضلة المجتمعات الثالثة النامية التي تطمح إلى إرساء نموذج ديموقراطي عادل، هذا الطموح الذي يلازم غالبية البلدان التي ترمي لبناء دولة مدنية بمفهومها الحديث، حيث نجد أن الأمية السياسية حاضرة حتى في الدول التي تتميز بأنظمة تعليم نموذجية وشاملة لكل المعارف، لكن بنسب غير مهولة بينما ترتفع نسبتها وتتخذ طابع مركب في مجتمعاتنا العربية، هذا الأمر الذي يعزى لعدة أسباب أهمها عدم اهتمام الأنظمة التعليمية بتقديم معرفة سياسية للمتعلمين ولو في أشكالها الأولية، كما أننا نلاحظ فرص اكتساب المعرفة السياسية تتاح فقط لمن إجتهد بشكل ذاتي أو من اختار استكمال دراساته الجامعية في تخصص العلوم القانونية أو السياسية هذا من جانب.
من جانب آخر يبدو أن الاهتمام بالسياسة يهم ثلة قليلة في المجتمع تلك التي تحظى بمكانة اجتماعية محترمة في الغالب، وثلة أخرى تتمثل في الطلاب الذين انخرطوا في النشاط السياسي الجامعي، أما الباقي والذي يشكل السواد الأعظم من الأفراد في مجتمعاتنا لا زال يعد الحديث في السياسية لديهم طابو من الطابوهات التي تقترن بنوع من الرهبة والخوف، هذا الأمر الذي علق بالضمير الجمعي العربي نتيجة سيرورة تاريخية ارتبطت بأحداث سياسية تميزت بالاعتقالات وإنتاج العنف والخوف الذي ضل متجدر بالذاكرة الجماعية.

لكن حدة هذا الأمر أخدت في التراجع شيء فشيء بفعل انتشار المعلومة واستفحال وسائل الإعلام والتواصل، وبتالي أضحى الكثير يطلع على الإعلام السياسي ويحضر اللقاءات السياسية وكذلك تنامي حركات حرية الفكر والرأي.. كل هذه المظاهر وغيرها تعتبر تجلي من تجليات المشاركة السياسية التي من شأنها تحقيق ثقافة سياسية لا بأس بها تقطع مع الجهل

التام بالسياسة وتؤسس لوعي سياسي سوي. تتضمن المشاركة السياسية في المجتمع الديموقراطي إستحضار مفهوم المواطن، والذي يعني بشكل أو بآخر أن لهذا المواطن رأي وأنه يهتم بالشأن العام، وهذا ما يتم ترجمته من خلال الانتخابات بالخصوص بعدما تم تعميم الانتخاب بوصفه آلية تسمح بإشراك المواطنين في إدارة الشأن العام.

الأمر الذي يعني أن المواطن يساهم في إدارة شؤون بلاده، لكن هذا لا يعني أن المشاركة السياسية تأخد بعدا واحد وهو الانتخاب ولعل هذا هو منشأ مشكلة الأمية السياسية في مجتمعاتنا العربية، فالعديد يرفض الانتخاب لعدم وجود نخب توافق تواجهاته كما أننا نلحظ فقدان الثقة بشكل تام في السياسي على وجه الخصوص والسياسة بصفة عامة، ولعل هذا ما يسهم في تكريس الأمية السياسية ومن تم وجب معرفة الأشكال الأخرى للمشاركة السياسية التي من شأنها بناء معرفة سياسية ولو في أشكالها الأولية دون أي احتكاك مباشر مع السياسي. فما هي هذه الأشكال الأخرى للمشاركة السياسية التي تؤسس لمحو الأمية السياسية؟

يعد الانتخاب والانخراط في الأحزاب أبرز مظاهر المشاركة السياسية عند العديد من الأفراد في مجتمعاتنا لكن لا أساس لهذا الحصر من الصحة، حيث تتخد المشاركة السياسية أبعاد وأشكال عدة من بينها:

1- عدم التسجيل في اللوائح الانتخابية

حيث يشكل هذا الأمر نوع من الرفض على الوضع السياسي ككل في بلد ما بحيث يصنف علماء الإجتماع والسياسة هذا السلوك بإعتباره شكل من أشكال الممارسة السياسية التي يمارسها الفرد بشكل ضمني ويوصل بها رفضه إلى الجهات السياسية سواء تعلق الأمر بالنخب الحاكمة أو الأحزاب المتنافسة أو غيرها من الجهات.

2- الاطلاع على الإعلام السياسي

يعتبر من أبرز مظاهر المشاركة السياسية ذات التأثير الغير المباشر الذي من شأنه بناء معرفة سياسية وازنة خصوصاً إذا تعلق الأمر بإعلام نزيه وحر يمكن أن يكون عامل مهم من عوامل محو الأمية السياسية.

3- المشاركة في الحملات والمظاهرات

تعد شكل من أشكال الممارسة السياسية أيضاً، والتي تؤشر على وجود وعي سياسي بموضوع ما يخص جماعة ما، كما أنه من خلال المظاهرات والاحتكاك الدائم بالأفراد المتواجدين بها وتبادل الأفكار يحدث نوع من الإغناء المعرفي السياسي.

4- اللقاءات السياسية والحزبية

رغم أن الكثير فقد الثقة في الخطاب السياسي المستهلك في مجتمعاتنا إلا أنه يبقى حضور اللقاءات والجموع العامة مهم للفرد دون أن يكون ينتمي لجهة ما، حيث يسمح له ذلك بالاطلاع على طبيعة عمل الهيئات السياسية والتمييز بين البرامج والمرجعيات الأيديولوجية كل على حدى.

يبدو أن هذه الأشكال تؤسس لمشاركة سياسية ذات تأثير غير مباشر في المناخ السياسي العام للمجتمع، لكنها فعالة من حيث القضاء على الأمية السياسية بحيث لا تفترض الإتصال المباشر مع الساسة مثل الانخراط في الأحزاب والقوى السياسية أو الانتخاب.. هذه الأمور التي يرفضها الكثير من الأفراد نتيجة فقدان الثقة في “السياسي” وبتالي تبقى هذه الأشكال للمشاركة السياسية ذات التأثير الغير مباشر قادرة على القطع مع الجهل التام بالسياسة ودواليبها وبناء ثقافة سياسية تقضي على شبح الأمية السياسية الذي يخيم على عقول الأفراد ويجعل السياسة محتكرة من طرف فئات معدودة تستفيد من “السلطة” بفعل الأمية الأبجدية والسياسية التي يعاني منها المجتمع، ولعل بقاءها يقتضي استمرار الهيمنة والاحتكار السياسي من طرف نخب فاشلة وخانعة ومن ثم تنامي حالات التخلف والعبث التي تعيشها مجتمعاتنا في كل مناحي الحياة، ذلك أن السياسة هي الآلية التي تدبر بها الأمم والمجتمعات اليوم، وبتالي لا يمكن الحديث عن شعب أو أمة رائدة تنخرها الأمية السياسية الأمر الذي يقتضي منا الانفتاح على الأشكال الأخرى للمشاركة السياسية والتعريف بها ذلك أنها طريقنا اليسير لمحو الأمية السياسية

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع