أخر تحديث : الأربعاء 4 ديسمبر 2019 - 8:36 مساءً

إني احفظه راسخا في القلب والوجدان …أو متاهات خالد.. في عيد ميلاده

يقول بيكاسو : اننا نعلم جيدا أن الفن ليس هو الحقيقة، إنه الكذبة التي تجعلنا ندرك الحقيقة.. وفي حالة خالد أقول إنه الحقيقة التي تجعلنا ندرك الكذب حولنا..
الشاعر الذي يكتب الكاريكاتير ويحفر ابتسامة على وجه الوطن.. وجدت انه التعريف الاكثر بساطة بالفنان خالد الشرادي.. وايضا اختصارا للوقت فالتعريف به متاهة من متاهات خالد..
في سنوات الهباء والنضال الأدبي، كان خالد الشرادي معتزلا عن الفضاء العام، غارقا في مشاريعه الفارغة كما كان يسميها، منهمكا في شتم العالم وقراءة سقط الزند وكتاب اللزوميات.. محبا للتخريب ومستميتا في التفكه والتندر على احوال الادب والثقافة والمثقفين.. كان يزورني بين الفينة والاخرى في احدى مقاهي ” الاوبيدوم” ههه.. ليلقي قنبلة ويعود الى المعري ونزار قباني وتاريخ الحرب الاهلية في لبنان.. كنت احس بالحيرة من التزامه بتثبيط العزائم والهمم وايمانه باللاجدوى.. لم اكن اعرف ان السخرية هوية الرجل وانها عقيدته في النظر الى الاشياء.. والفيض بالنكتة اصيلة وخارقة..
والنظر كرامة اخرى لخالد فهو فنان تشكيلي موهوب منذ صغره وخاض دورات في الرسم.. وقلة من يعلمون ان له لوحات رائعة.. بل انه رسم جداريات واجبرته مرة ان يرسم راية عملاقة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وعندما جررته الى مقر النقابة حيث ورشة الرسم قال لي في مدخل المقر انت تعلم انني لا افعل هذا لاجلك وانما لاجل الرفيق جورج حبش !!!! ولا يعلم أحد كيف رسم خالد اول كاريكاتير له لكن حادثة وقعت مطلع التسعينيات بالحي الجامعي بتطوان جعلتنا نستشعر خطورة الأمر، حينما نسخ مئات من الطلبة كاريكاتيرا لمدير الحي الجامعي رسمه خالد يصور فيه وضعية المستوصف.. ولم يكن من المدير الذكي الا ان التقى خالد وضحك كثيرا وهو ينظر الى الرسم الساخر..
والنظر ايضا هو الشعر وفن التصوير بالقول ولدى خالد مفهومه الخاص لذلك، تقريب الشعر الموزون المقفى من الناس، فتجد في نظمه الفخر والهجاء والسخرية والتراث والحداثة مجتمعين، لكنه لا يقوله، فصيحا أو عاميا، إلا في إشراق ووحي.. فننصت كأنه مجذوب اتى من اقصى اللغة.. وننصت وكأنه مونولوجيست عالمي.. وننصت وكأنه مداح النبي.. والانصات يعني “ملك الايقاع” الايقاع في كل شيء، في الشعر وفي الغناء.. بذوق ووعي موسيقي كبير وبصوت شجي جميل مدوزن “لا يسمع الا في منزلي ومنزله” يضم خالد الى درره.. الدندنة والموال وهو حافظ جيد للاذكار والاوراد الصوفية على الطريقة الدرقاوية ومنشد أيضا.. و”هذا ايضا لا يحدث الا في منزلي او منزله”.. واقفا على هذه التراكمات والتجارب والغضب.. وهذا الحس الراصد والمتأمل.. وتلك الملكة الخبيثة.. يكتب خالد الشرادي منشوراته واعمدته لذلك تأتي نفاذة لماحة مضحكة واحيانا مضحكة مبكية..
نادرا ما يضحك المغاربة.. وفي خطابات الفنانين والنقاد يقولون من الصعب اضحاك الجمهور المغربي.. فئة عريضة من هذا الجمهور الذي تم الحجر على ذكائه وتجويعه للسخرية والكوميديا الخالصة صار اذكى واكثر قدرة على إدراك مستويات السخرية المتطورة التي تصدر عنها رؤيته وكتاباته.. فمنح خالد للقراء الضحك المتعب، متعب لانه يستوجب ذخيرة من الافكار والتمثلات والوعي بالواقع.. ومتعب لأنه يؤلم المحافظين والغوغاء وشهود المرحلة.. ومتعب لانني احيانا احس باضلعي تؤلمني من الضحك..
في سنة 2003 حيث بدات علامات الاسفاف تلوح في الأفق اجريت معه في طنجة حوارا ساخرا حول الثقافة والفن والالتزام.. ولولا خوفي على مشاعر أصدقائنا المثقفين، والجمهور الناشئ لنشرت مقاطع منه يتنبأ فيها بمصير اتحاد كتاب المغرب مطابقا للذي نشهده اليوم.. وساخرا من مآل الفنون الاخرى ومبشرا بعصر التفاهة..
كلما كنت داخل مفارقة او في موقف ساخر، وجدت نفسي، ودون ان أدري، أتساءل لو كان خالد ما الذي كان سيقول، ليس بسبب افتقادي له فقط، بل بسبب براعته كقناص لا يخطئ حين يصوب، ولأنني مريد من مريدي المعنى واسير من ضحايا البلاغة والايقاع كنت أحفظ كلامه واشعاره وقوافيه.. احفظ نصوصا له نسيها هو نفسه.. واحفظ هجاءه وهرطقته.. أحفظ كلامه في الكرة وابتكاراته في الطبخ وتعليقاته في السياسة.. اما الأهم أني أحفظه راسخا في القلب والوجدان..

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع