أخر تحديث : الأحد 29 مارس 2020 - 10:09 مساءً

من الدروس الكرونيالية

وقف أمام كشكي ليطلب مني استنساخ نظير بطاقته الشخصية، لم أعرفه في الوهلة الأولى، فقد نحتت السنون في وجهه ما نحتت، و لم ينبهني إلا صوته الجهوري الذي كان يملأ به أرجاء المحطة الطرقية، مناديا على المسافرين في جميع الاتجاهات..، مجيئه لاستجلاب هذه الوثيقة كان في غنى عنها، لو أن بعض مقاولاتنا احترمت حقوق عمالها، فقد جمعتني بالرجل سنتين من الاشتغال بإحدى الشركات، كنت أشتغل ب”عقد مؤقت”، و قيل لي أنه كان يشتغل “بعقد مفتوح”، كنا نغبطهم على هذه المكانة التي تجعلهم مميزين عنا، يستفيدون من أجر زائد علينا، و أيضا كان جلهم مسجلا بالضمان الاجتماعي، كان هذا المياوم ذو شخصية قوية جدية، قلما رأيته مبتسما..
كان لإدارة هذه المقاولة سطوة على العمال، فالعامل مخطئ في نظرها ولو ثبت العكس، حتى أني زرتها يوما بعد شطط من أحد مفتشيها، لكنني لم أنصف، بل أعطيت ورقة سميت بالتزام بعدم تكرار “الخطأ”، و إلا اعتبر خطأ جسيما يستوجب الطرد، كان هؤلاء العمال وزائري واحد منهم، محصنين ضد مثل هذه التصرفات الإدارية، إلى حين أن بلغت الأمور بالشركة، أن استهدفوا هم أيضا، تحت وابل التراجع في المداخيل..!
حدث ذلك بعد انصرافي الطوعي عن الاشتغال بهذه المقاولة، فقد حدثت تغيرات كبيرة في بنيتها، كان من أثرها طرد عدد من هؤلاء “المرسمين”، لأرى هذا الرجل في ما بعد في إحدى المحطات الطرقية، و قد أحاله الوضع ليتقمص دور “الكورتي”، الذي بمثابة “البراح” الذي لا يفتر عن الصياح، مقابل دريهمات مرة من هنا و هناك، بدون “ضمان اجتماعي” و لا حقوق أخرى…
سألته اليوم، هل تملك بطاقة الرميد، فقال لي: لا، لم أسجل نفسي بها..!
قالها بمحيى يرسل إشارات الندم، لكنه ندم اليائس الذي أنزل كل أسلحة نضاله في دروب الحياة، ولعل زمن الكرونيالية العسير، يوقد في أصحاب مثل هذه المقاولات وفينا جميعا، أهمية الاستثمار في العدل مع الناس، و الحفاظ على حقوقهم، و هو لا شك استثمار نحن أشد حاجة له اليوم، في هذه المحنة الكرونيالية الوافدة…
وقانا الله جميعا شر هذا الوباء، آمين

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع