أخر تحديث : الجمعة 29 مايو 2020 - 11:59 مساءً

المدرسة في مأزق الهشاشة التواصلية

صورة المدرسة والمدرسين كانت محل تجاذب بين الفاعلين داخلها، وبين الآباء والاولياء والمستفيدين من خدماتها. والمدرسة ككل مؤسسة لها كواليسها ومطابخها، يصعب على الكثير إدراك ما يعج داخلها، و الحكم على جودة التوابل المُعدة بها أطباقها، ناهيك عن اللمسة الخفية الكامنة وراء نكهاتها. وإن كان المتعلمون هم سفراؤها الذين يشع منهم نور علمها، وجودة تربيتها. لكن التعلم عن بعد كشف عن الكثير مما كان خفيا عن الأنظار، على المستوى البيداغوجي والعلائقي وأيضا التدبيري.
هشاشة التواصل التربوي بين زمني الشدة والرخاء:
طالما كان انفتاح المدرسة على المحيط مطلبا مجتمعيا، وضرورة تربوية، ويسجل التاريخ أن السيد الوفا الوزير الأسبق للتعليم، كان صاحب الدعوة إلى هدم أسوار المدرسة، واقتلاع أبوابها، إشارة إلى جعلها دائمة الإشعاع في محيطها البيئي، وضمان استمرارية تواصلها مع المجتمع، مؤسسات وآباء. الذين يقابلون بالصد المباشر، حفاظا على الزمن التعلمي المفترى عليه من الهدر حينا، أو حفاظا على هيبة المدرسة المزعومة حينا آخر. تكريسا للقطيعة و اللا تواصل، في جميع الأحوال. في مجال يعد التواصل فيه مبرر وجوده، وأعز ما يُطلب من مقاصده. فقد جعلت المؤسسات التربوية الخصوصية خاصة، التواصل عنوانا لكراسة لا تصلح إلا للتلفيف، فهو يحافظ على نقاء صفحاته كيوم خروجه من بطن إدارته. يؤدي مقابله التلميذ ثمنا يفوق ثمن الكتاب المدرسي الحافل بالمعارف والقيم، وأداة لاكتساب المهارات. فما يعج خلف أسوار المدرسة يبقى علبة سحرية محكومة الإغلاق، تفتح لأداء الواجب الشهري، لا يمكن لأي كان الاطلاع على مكنونها سوى بريق الأطفال وهم مكدسين في حافلات النقل المدرسي، يرددون أناشيد بلغة موليير وشكسبير، أو صورهم التي تستغل في إعلانات إشهارية تبالغ في جودة التكوين الذي تقدمه و كفاءة مكونيها.
إنها ممارسة تنم عن هشاشة التواصل التربوي، وعدم الإيمان بجدواه، في تناقض صارخ مع الأدبيات التربوية، قديمها وحديثها، باعتباره أحد الركائز المنظمة للعمل والمواقع والعلاقات و… تتولد عنه أشكال من التبادلات الفكرية والقيمية والمصلحية أيضا، تختلف حينا وتتكامل أحيانا أخرى، لكنها حتما تطور الممارسة وتساهم في تجويدها، بما يعود نفعه على جميع الأطراف. لكن رغبة الأطراف المتنفذة داخل الفضاء المدرسي في تهميش ما سواها، أتاح الفرصة للانحرافات أن تتعاظم، وعدم المشاركة أن تصبح ثقافة وقاعدة، وغيرها تطفلا وتدخلا «فيما لا يعنيك».
أمام وضع كهذا، حيث انحصر التواصل في « نقل وتبادل المعلومات والأفكار والخبرات والقيم والمنتوجات المادية والرمزية»، يبقى التلميذ هو المرآة العاكسة لما يتلقاه في رحاب المؤسسة، وسفيرها لدى الأسر، التي عليها تدبير النقائص التعلمية، كل بطريقته. والمتعلم دائما متهم فيما ينقله من سلوكيات وشطحات بعض الأساتذة والمربين، إلا ما كان من ثناء ومدح، إلى أن كشف التعلم عن بُعد عن معدن بعضهم النفيس، وعلو كعبهم البيداغوجي والمعرفي. وعن استهتار البعض الآخر، بقيمة العلم والمعلم والمتعلم، ضاربا عرض الحائط، ذلك التاريخ الذي «وفى التبجيل» والتقدير الذي يستحقه رسل المعرفة، وحماة القيم. زارت الطائفتان معا البيوت طيلة شهرين، استودع المغاربة الثلة الأولى أطفالهم، وهم مطمئنون لما يتلقونه من تنوير في حضرتهم، كفوهم بلاء الحجر وأزماته، وشر المواقع الإلكترونية وفيروساتها، فكانوا بحق، عامل تحصين وتكوين. فلا شك سيحزن الصغار، ويأسف الكبار يوم مغادرتهم غرف أبنائنا نهاية الموسم الذي أوشك على الأفول. أما الفئة الثانية، فقد غادرهم المتعلمون قبل الأوان، بعد أن كشف العالم الافتراضي تهافت ما يدرسون، وبئس ما يلقنون.
تهافت التدبير التربوي في التعليم عن بعد:
ولقد أظهرت بعض القيادات التربوية، التي لا تحسن من الذوق التربوي، سوى اختيار أثاث مكاتبها، ويافطات تخصصها المثير للانتباه، ضعفا تدبيريا وعلائقيا. باستثناء الوعد والوعيد، رغبة في انضباط التلميذ. فقد شهدنا خلال هذه المدة من الحجر الصحي، وخصوصا بالنسبة للمؤسسات التي لم تؤدي مستحقات أطرها، غيابا تاما لوظيفتها البيداغوجية والاجتماعية، وترك المتعلمين يطرحون تساؤلاتهم كما يقال: على الهواء، ولا من مجيب. مما يجعل تأمين زمن التعلم في مهب الريح، والقائد مستريح.
إن القيادة التربوية التي من مسؤوليتها، مد جسور التواصل بين الآباء والمدرسين، تزداد الحاجة إليها وقت الأزمات، وإخلال أحد أطراف العقد بواجباته. توخيا لأداء مدرسي يليق وما يطمح إليه المجتمع. بنهج ديمقراطي، يساعد في نمو الثقة بين الفاعلين التربويين، وشركاء المدرسة، مع تجديد آليات الاشتغال بحسب متطلبات المرحلة. فنجاح المدرسة لا يتحقق في غياب إدارة كفأة، لها من المهارات القيادية والاجتماعية والتربوية، ما يجعلها حريصة على مصلحة المتعلم، وحقوق المعلم. لضمان الاستمرارية البيداغوجية بالعتاد الرقمي والاتصالي، الذي انعدم انعدام البدر في الليلة الظلماء. وقد كان التكوين المعلوماتي مما تتفاخر به المؤسسات الخاصة، وتبز به نظيرتها العامة. فقد سُجل غياب تام لذلك اللوجستيك المعلوماتي، الذي تبشر به على لافتات إشهارها. وحضرت المبادرات الفردية للأساتذة على المواقع المختلفة، وبإمكاناتهم الذاتية. مع مجهودات القطاع العام الملموسة التي احتضنتها فضاءاته.
إن التفوق المعلوماتي للقطاع الخاص، قد ظهر تهافته في التعلم عن بعد، فكل التلاميذ تابعوا دراستهم بنفس العدة والعتاد، فقد وحدهم التعلم عن بعد، بعدما فرقهم التعلم الحضوري بمزاعم المعلوميات واللغات والأنشطة و… حيث برز في الحجر الصحي، إبداع التلميذ، وتقليد المؤسسة.
في أفق مأسسة التواصل التربوي:
إن تطوير العمل التربوي رهين بانخراط المجتمع، وإشراك كل مكوناته في تدبير شؤونه. و خاصة « لذوي الأمور وللقواعد التي تنبت فيها المؤسسات التعليمية»، تجسيدا لمفهوم التواصل كشعار محوري للعصر. وتعد جمعيات الآباء لبنة أساسية في تشييد صرح التواصل البناء، بما يخدم مصلحة المتعلم والمحيط، وقد أناط بها المشرع مجموعة من الوظائف و المهام، لا تعرف طريقها نحو التفعيل، بفعل الحواجز الفولاذية التي تقف أمامها، تأسيسا وممارسة. فقد تجلت فيها كل أعطاب العمل الجمعوي ومعيقات النهوض بدوره. فقد حصر دورها في المساهمات المادية، دون الإصغاء لرأيها وفتح المجال لها لترشيد الممارسة البيداغوجية، بما يلبي حاجات المتعلم، وطموحات المجتمع. والارتقاء بها إلى مرتبة الوسيط بين المؤسسة وباقي الشركاء. والمساهم في نزع فتيل التوترات التي تحدث بين الآباء والمؤسسة. ليس في فترة الأزمات فقط، بل في الشدة والرخاء. وهوما يحتاج إلى ثقة متبادلة، تبنى خلال الموسم الدراسي، وعبر فتح المجال لتأسيس مكاتبها وإبداء اقتراحاتها، وتكون موضع تنفيذ. بجعل تدخلها فاعلا في تجسيد مشاريع المؤسسة، وتذليل الصعوبات المادية و الفكرية، وجسرا بينها والمحيط الاجتماعي، وليس « كيانات مأزومة ضمن فضاء جمعوي واجتماعي، هو نفسه متوعك ومأزوم على أكثر من صعيد».

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع