أخر تحديث : الأحد 13 سبتمبر 2020 - 6:07 مساءً

” الضمير، الأخلاق ، المبادئ و الوطنية الحقة …

العمل جسم روحه الإخلاص المتواصل ، لأن الجسم متى فارقته روحه التي هي عماده كان جثة هامدة ، ليس فيها حراك و لا فائدة ترجى منه ، و كذلك العمل إذا لم يحصل فيه الإخلاص و التفاني فيه …
و كم نجد من قوم يعملون ، لكننا لم نر أثرا صالحا في عملهم ، و العديد منهم لم يوفق فيما يعمله ، و هذا الأمر ليس له سبب ، إلا أن الإخلاص فيه لم يكن رائده . و هذه الزمرة هكذا ، لأنها لم تعمل إلا لجر مغنم مذموم ، أو كسب شرف موهوم .
و السر كل السر في هذا، أن من يعمل مخلصا في عمله لأمته ووطنه تهوى إليه أفئدة الناس و يشجعونه و يعينونه بالشكر و الثناء ،فيزداد نشاطا ، و تنمو فيه روح المثابرة و الجد و التواصل في العمل الهادف إلى الأفضل .
أما الذي لا يعمل مخلصا ، و إن كان ذلك مكتوما في فترة ما . فلا بد أن ينكشف و يفتضح أمره ، فينفر منه العديد من الناس و يهمله من كان مشجعا له و يحبذ عمله ، و بهذا تفتر عزيمته و تضعف همته، و عاقبته خسارة له في الدنيا و الآخرة ، و يعيش عيشة ضنكة …
و أمثلة على هذا عديدة ، فكم من جمعيات كانت، فما لبثت أن زالت ، كما أننا نكون نعرف وجود مشروعات قد نهضت، ثم بعد ذلك سقطت …
فمن كان له ضمير و مخلصا في عمله ، قد يبلغ أسمى الغايات المجيدة ، لأنه لا يبيع الوجدان (الضمير) بالذهب أو المال … لأن الأمم عندما تمرض اجتماعيا، يكون حاجتها إلى إصلاح ما فسد فيها من الخصل الذميمة كعدم الإخلاص في العمل بالنزاهة و الصدق ، و تقويم ما اعوج من فروع الاجتماع، أكثر من حاجة كل مريض إلى الدواء قد يمرض أحد فيلجأ أهله و ذووه إلى طبيب يثقون فيه، فيصف لهم دواءا يراه مفيدا له . و تمرض أمة جمعاء إلا من رحم ربك، و إذا لم تلجأ إلى طبيب الاجتماع ليداوي أمراضها ، و يخفف أوجاعها ويخلصها مما هي فيه …
و ذلك ناشئ من أمرين، إما جهلها بدائها فتظن و هي قريبة من الموت بما يفتك بها من الداء أنها سليمة من الأمراض، و إما أنها تعرف كل ما فيها من الآلام ، و ما يعتورها من الأدواء ، لكن إنها لا تثق بما يحيط بها من الأطباء ، أو أنها أصابها ما منعها من التفكير في طلب طبيب .
و ترسل الدولة أو الأمة الكثير من أبنائها إلى كليات الطب ليداووا الناس ، بعد تعلمهم ، أجسامهم ، و لا تبعث إلا القليل منهم إلى مدارس الأخلاق و الاجتماع ليعالجوا بعد دراستهم أخلاقها ، و يهذيوا نظام اجتماعها ، و سبب ذلك فساد النفوس التي تقدم الماديات على الأدبيات …
أي أمة تريد أن تنهض هي في حاجة ماسة إلى القسمين من هؤلاء المتعلمين ، لكن حاجتها ماسة أكثر إلى أطباء الاجتماع، و حكماء الأخلاق، أكثر من حاجتها إلى من يداوي أجسامها …
و لا يمكن لأي شعب مهما كان أن ينهض إلا إذا كان بين وسطه من يداوي أخلاقه و مثله العليا، و يدفعه إلى التقدم و الترقي ، و يهيج فيه عاطفة التنبه، و يثير فيه كامن المعالي .
و بقدر ما لديه من هؤلاء المداوين يكون مقدار تنبهه أو خموله. الأمم لا يمكن أن تنهض إلا بترقية الأخلاق الفاضلة و الضمير الحي لأبنائها، و استئصال كل خلق فاسد من نفوس أبنائها منذ الطفولة، و تهذيب نظام اجتماعها ، و متى تم لها ذلك هان عليها كل شيء بعده . و قد قال أمير الشعراء المرحوم برحمة الله الواسعة أحمد شوقي الذي توفي بمصر الشقيقة سنة 1934 هذا البيت من الشعر الحكيم و البليغ :
و إنما الأمم الأخلاق ما بقيت // فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا .
و لا يمكن تنمية الأخلاق العالية ، و إصلاح كل ما اختل من قواعد الاجتماع ، إلا بالثورة الأدبية التي يهيجها في نفوس الأمة أولائك المصلحون من أطباء الاجتماع و الأخلاق الحسنة و الفاضلة رويدا، رويدا، إلى أن تستأصل شأفات الأخلاق الفاسدة ليحل محلها أصلح العادات، و لتتقدم الأمم لابد من قيام أفراد منها ـ حسنت أخلاقهم، وصفت سرارئهم، وزكت أعراقهم، ليعملوا فيها بتغيير حالتها الاجتماعية و الخلقية، فيهيبون بها لتنهض، و يثيرونها لترك ما ألفته من العادات الضارة بهم ، و الأخلاق المنحطة، و لا يزاولون يهيجون و يتعبون، و يسعون حتى ينالوا ما يريدون …
الأمة في حاجة شديدة إلى الثورة الأدبية لإصلاح حالها و النهوض بها من وهدة الانكسار بأطباء اجتماعيين و مفكرين متنورين و مصلحين خيورين …
و أردد مع شاعر قديم إذ قال:
لا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم // ولا سراة إذا جهالهم سادوا
و البيت لا يبتنى إلا له عمد // و لا عماد إذا لم ترس أوتاد
فإن تجمع أوتاد و أعمدة // يوما فقد بلغوا الأمر الذي كادوا
و الوطنية الحقة هي حب إصلاح الوطن ، و السعي في خدمته . و الوطني كل الوطني من يموت ليحيا وطنه ، و يمرض لتصح أمته . هذا و إن للوطن على أبنائه حقوقا ، فكما لا يكون الابن ابنا حقيقيا حتى يقوم بواجب الأبوة ، فكذلك ابن الوطن لا يكون ابنا بارا حتى ينهض بأعباء خدمته ، و يدفع عن حماه المؤذين ، و يذود عن حياضه المدلسين .
و من هذه الحقوق تكثير المتعلمين المتخلقين بصحيح الأخلاق ، المغروس في قلوبهم تلك الحكمة المشهورة ( حب الوطن من الإيمان) لأن التربية الحقة روح الحياة ، و العلم دم الوطن و لا تمكننا الحياة السعيدة إلا بهما ، فالتربية تدفع إلى السعي و العلم ، و العلم يرشد إلى طريق السعادة .
فليتحقق الأمل ليحيا بنا الوطن … و هكذا فقد نطرح سؤالا على كل مسؤول كبر شأنه أو صغر ماذا تريدون من المواطن …؟ و ماذا زرعتم في عقله من بذور حتى تحصدون ؟، من الطبيعي أن تتعدد الإجابات، و ذلك بتعدد المصالح و الاهتمامات … لكن لا بد من مسلكين لا ثالث لهما ، و هما: الضمير, إذا كان للمرء منزع و مسلك الضمير، إذا غرس فيه منذ طفولته، و ظل ينمو بنموه، بلا شك سيبقى في دنيا الاستقامة، و يعمل كذلك للمطالبة بالحقوق له و لغيره ممن يطالبون بحقوقهم لتحقيق الحياة الجميلة في نظره و يحصد ثمرا جميلا في حياته …
أما الذي له أنانية فتتركب فيه منذ الصغر، و ذلك لا يترك أحدا أن يشاركه في اللعب أو في اقتسام شيء ما ، و يظل يكبر في وعيه هذا حتى يصبح له جحيما تكتوي بناره أي مصلحة عامة قد ترجع بالنفع على كل أفراد المجتمع ، و على مستقبل وطنه و أمته ، هذه هي الأنانية الغير المتبصرة، قد تصبح نارا تأتي على الأخضر و اليابس، و هذا يجعل على الأمة طامة كبرى قد تفوت على أي بلد الفرص للتغيير و النماء و التقدم المنشود، أليس هذا بدافع الأنانية و الغرور و انعدام الأخلاق الحميدة تجعل عددا من الوجوه تتمسك بكراسيها، أليس هذا بموت الضمير، و قد تختلس عددا من الأيادي الوقحة المال العام بدون وجه حق، و يعملون بالعبث في مصالح و حقوق و مصائر الخلق .
هذه هي التربية التي تقدم من الينابيع الفاسدة على الآباء و على الجميع أن يربوا أبناءهم منذ الطفولة على معنى الإخلاص و حب العمل و التضحية بالغالي و النفيس من أجل الوطن الغالي، و معنى المبدأ و الإخلاص للمبادئ الوطنية، و الحب و التضحية، و الخوف من الضمير و وازعه، و لا شيء غير الضمير الأخلاقي الذي يزعج الإنسان كيفما كان إذا ظلم غيره …
فللعدل مكانة سامية في الشريعة الإسلامية و في المواثيق الدولية الحديثة لأن ” العدل ” اسم من أسماء الله الحسنى و صفة من صفاته ، و ” العدل ” مرادف ل ” الحق ” الذي هو الآخر اسم من أسماء الله الحسنى ، و لا يكتمل الأمر بالعدل و الحق إلا بالنهي عن الجور و الظلم ، و العدل لصيق بالإيمان، إذ قال الله تعالى و تبارك في كتابه الحكيم :” قل أمنت بما أنزل الله من كتاب و أمرت لأعدل بينكم” (من سورة الشورى ) ـ (الآية 15) و يأمر سبحانه و تعالى كل من يزاول الحكم أن يحكم بالعدل ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها و إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) ( من سورة النساء) ـ (الآية 58 ).
و في الختام لا بد من ذكر نص مهم من كتاب هام و أساسي في الفكر الحديث للعلامة و الأستاذ الكبير و المبرز و الزعيم الخالد في المغرب العربي و العالم أجمع المرحوم برحمة الله الواسعة علال الفاسي : بعنوان الكتاب : “مقاصد الشريعة الإسلامية و مكارمها ” الطبعة الخامسة مصححة ل 1429 ه ـ 2008 م ( منشورات مؤسسة علال الفاسي) ، و النص منه هو كالتالي : ( فالمجتمع المنظم المتسم أفراده بالطاعة و حكامه بالعدل، و الذي يسوده التعاطف و التضامن و يعمه الرضا و الأمن و الطمأنينة: و تتقدم فيه الحضارة و البناء و تشمله العدالة الاجتماعية، هو الذي يحظى بتحبيذ الإنسان و احترامه، و المجتمع الفوضوي الذي يتمرد رجاله لأقل شيء و لا يخضعون لرابطة، و يسوده التنافر و يأخذه حكامه بالجور و يتسم بالتخاذل و القلق و ينتج الاضطراب و الخوف هو الذي يحكم عليه الإنسان بحذافيره بالانحلال و الضعف و السقوط .
إلى أن يذكر : ( و هذه الأخلاق الفطرية يعتبرها الإسلام معروفة لدى الجميع، و لذلك يعتبرها هي ( العرف) المأمور به ، كما أن عكسها هو ( المنكر) المنهي عنه .
فالتشريع الإسلامي خاضع للعرف و لكن العرف في الإسلام ليس هو ما يتعارف عليه مجتمع ما ، و لكنه ما تعارفت عليه الإنسانية منذ نشأتها ، و لم يخرج عنه دين من الديانات و لا مذهب من المذاهب السليمة) ص: 195 من هذا الكتاب الأساسي في تاريخ المغرب لمعطياته و دلالاته الكبرى، و فكر علال الفاسي العظيم النير و المتقد بتنويره لكل الأجيال، و في الإسلام عامة و للإنسانية جمعاء …
و قد قال الله تعالى و تبارك في كتابه الحكيم :” فاعتبروا يا أولي الأبصار ” (من سورة الحشر الآية 2 ) ” أو لم ينظروا في ملكوت السموات و الأرض ” ( من سورة الأعراف ) (الآية 185 )

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع